كلمات المسافر | عندما تتشابك المعتقدات في اتجاه واحد، حتى الصحراء يمكن أن تزهر.
2026-01-27 06:17
وقت الإصدار:
المصدر | صحيفة الشعب اليومية
المؤلف | هوانغ بيتشاو
من قمة برج الشعار في المنطقة التجارية المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة لمصر، تهبّ الرياح بقوة، وتصدر أصواتها الهادرة وكأن نهر الزمن يتدفق بلا انقطاع في أذنيّ. أمامي، تبدأ مدينة حديثة بالتوهج تدريجيًا في ظلام الليل: الأضواء تلمع كنجوم، ممتدةً ومتألقةً على طول الشوارع والمباني، لتبدو كجواهر لامعة مرصّعة في قبة السماء الداكنة. الطرق الواسعة، والأشجار الخضراء المزروعة حديثًا، والمباني الشاهقة، كلّها ترسم معًا لوحةً حضريةً مليئة بالقوة والأمل.
عندما أنظر إلى هذه المدينة الحديثة من بعيد، تعود بي الأفكار إلى ماضٍ ليس ببعيد - فهذه الأرض المليئة بالمباني الشاهقة والأضواء الساطعة كانت في يوم من الأيام صحراء قاحلة لا نهاية لها.
أتذكرُ أول مرة وطأتُ فيها هذه الأرض؛ كانت الشمس الحارقة تلسع الأرض، والحرارة الشديدة تدفع الرمال الصفراء نحو وجهي. كنتُ أقود سيارتي عبر سهول مفتوحة وفارغة، محاولاً العثور على موقع البناء الذي لم يكن قد اكتمل بعد، لكنني اكتشفتُ أن نظام الملاحة عاجز عن توجيهي. لا إحداثيات، ولا لافتات طريق، كل شيء خالٍ من حولي، حيث تلتقي السماء بالأرض في آنٍ واحد. كان ذلك شعورًا بأن العالم نسيني للحظة، ليس فقط فقدان الاتجاه جغرافيًا، بل أيضًا ضياع نفسي عميق. من كان ليتصور أنّه في هذه الأرض القاحلة بالذات سيرتفع أطول مبنى في أفريقيا؟
والآن، على قمة هذا المبنى الشاهق الذي يبلغ ارتفاعه 385.8 متر، يتألق الفولاذ والزجاج في ظلام الليل، كأنه إشارة زمنية غُرست في الصحراء، تفصل بوضوح بين الماضي والمستقبل. إن الخطوط الرشيقة والمتواضعة لهذا البرج الشامخ مستوحاة من المسلات الأكثر رمزية في الحضارة المصرية القديمة—تلك التي تخترق الفضاء الواسع وتتجه نحو السماء. وتتعرج واجهة الزجاج ذات التصميم الانسيابي بلطف تحت أشعة الضوء والظل، لتشبه إلى حد كبير ريشة الإله الشمسي «رع» في مصر القديمة، وهي تتفتح برفق مع هبوب الرياح. لقد تم دمج الرموز الثقافية العريقة في هيكل حديث من الخرسانة والفولاذ، ليكتمل هنا حوار بين التاريخ والمستقبل، يقفان جنبًا إلى جنب في سلام وتناغم.
تكمن جمالية الهندسة المعمارية أيضًا في التفاصيل التقنية غير المرئية لكنّها بالغة الأهمية. تتميز صحراء المنطقة بتكوين جيولوجي مفكك ومعقد، وتهب الرياح والرمال بشكل مستمر، وتبلغ درجات الحرارة ذروتها في الصيف. إن بناء مبنى شاهق الارتفاع في مثل هذه البيئة يمثل في حد ذاته تعايشًا دقيقًا مع الطبيعة. ولضمان استقرار هذا المبنى الشاهق، عمد فريق التصميم والبناء الصيني، دون أن تكون لديهم أي خبرات سابقة تستند إليها، إلى إعادة تدقيق الحلول مرارًا وتكرارًا، وإجراء التجارب المتعددة على نسب المواد. تم ضخ الخرسانة عالية القوة وفحصها وتحسينها مرارًا وتكرارًا، حتى تمكنت أخيرًا من دعم هذا المبنى الشاهق الذي ينمو باطراد في قلب الصحراء.
«كنا نراقبه ينمو يومًا بعد يوم، كما لو كنّا نرى شجرةً تغرز جذورها وتتربّع في الصحراء.» هكذا وصف لي أحد المهندسين المصريين ذات مرة أثناء وجودي في موقع البناء. وقال إن التكنولوجيا الصينية هنا ليست مجرد كلمات باردة، بل أصبحت ملموسة وحيوية: فالخرسانة ليست مجرد مادة، بل هي أيضًا ثمرة دقيقة للتصدي للحرارة الشديدة والرياح والرمال؛ وإن وتيرة التشييد ليست مجرد أرقام فحسب، بل هي إيقاعٌ يتضافر فيه موظفو الجانبين الصيني والمصري، متكاتفين تحت حرارة الشمس الحارقة، ومتواصلين بدقّة وانسجام؛ والتكنولوجيا لم تعد مجرد معاملات مجرّدة، بل تُضاف إليها تدريجيًا صبرُ الزمن وإيمانُه.
إن ارتفاع برج الشعار هو ثمرة تلاقِي الزمن والإرادة والعقيدة. إن هذه المسافة التي قطعت من اللاشيء إلى الوجود ليست مجرد ملحمة في تاريخ العمارة، بل هي أيضًا صورة حية للتعاون الصيني-المصري. وبفضل دفع مبادرة «الحزام والطريق» المشتركة، تحوّل المخطط الكبير للعاصمة الإدارية الجديدة في مصر تدريجيًا إلى واقع ملموس. وقد تعاون المهندسون الصينيون والمصريون معًا ليرسموا على صفحة الصحراء البيضاء، لوحةً بعد لوحة، مستقبلًا مليئًا بالأمل.
تُعد برج الشعار لمسةً مشرقة في هذه اللوحة الكبرى. وبإلقاء نظرةٍ حولنا، نجد أنّ ثمار التعاون الصيني-المصري قد امتدت بالفعل إلى آفاق أرحب وأوسع. ففي المنطقة التجارية المركزية في العاصمة الإدارية الجديدة، تتجاوب ناطحات السحاب بعضها مع بعض، لتُشبه غابة حضرية تنبت من الصحراء؛ وفي منطقة تيدا السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري الصيني-المصري، تحولت الأراضي القاحلة السابقة إلى قاعدة صناعية رائدة، حيث استقرّت أكثر من مئة شركة صينية وأجنبية، مما أوجد عشرات الآلاف من فرص العمل؛ وفي محافظة أسوان، يواصل مشروع محطة بنبان للطاقة الشمسية، الذي شاركت الصين في إنشائه، توريد الكهرباء النظيفة؛ وفي مجال النقل، تتواصل شبكة القطارات الحضرية والسكك الحديدية الخفيفة التي تبنيها الشركات الصينية في التوسّع، لتعيد تشكيل النسيج الحضري لمصر. وتترابط المشاريع الواحدة مع الأخرى كخطوط عرض وطول خيطت بدقة، فتنسج التعاون بين البلدين من مجرد مخططات على الورق إلى واقع يومي ملموس.
اليوم، باتت برج العلامات الشامخة رمزًا يدلّ على علوّ التعاون ويوجّه نحو مستقبل واعد. ويتزامن هذا العام مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، وستستضيف الصين الدورة الثانية للقمة الصينية-العربية، لتدخل العلاقات بين الجانبين مرحلة جديدة أكثر نضجًا وأعمق أثرًا. في المباني التي تشيدها الصين، والطرق التي تبنيها، والجسور التي تنشئها، يظل «الاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة والفوز المشترك» منطقًا عمليًا مثبتًا مرارًا وتكرارًا، وهو أيضًا الأساس الأوضح والأقوى للعلاقات الصينية-العربية.
أقف هنا، أطلّ على المباني الشاهقة التي ترتفع من الصحراء، وكأنني أرى آفاقًا أوسع وأكثر رحابة: فعلى دروب التنمية المشتركة، تسير الصين ومصر والعالم العربي جنبًا إلى جنب، لكي نكتب معًا فصلًا جديدًا خاصًا بهذه الحقبة. وكما يُظهر بناء برج العلامة - حين تتكاتف الإرادات وتتوحد العقائد، حتى الصحراء يمكن أن تزهر، وستظل صروح التعاون شامخة في قمة العصر.
—انتهى—
أخبار ذات صلة