من الألياف الزجاجية إلى الواجهات الزجاجية الفاخرة، تُسهم مواد البناء الحديثة في إرساء أسس التنمية في مصر.
2026-06-28 13:01
وقت الإصدار:
في منطقة التعاون بين تيدا، تعمل العديد من الشركات الشهيرة في مجال مواد البناء الحديثة، كلٌّ بطريقته الخاصة، على إضافة لبنة جديدة إلى صرح الصناعة الحديثة في مصر، تلك الدولة العريقة ذات الحضارة الضاربة في القدم. فمن الألياف الزجاجية إلى الواجهات الزجاجية الفاخرة، مرورًا بالزجاج المتخصص، تُسهم هذه المواد الحديثة ذات المحتوى التكنولوجي العالي في رفع مستوى المباني الواحدة تلو الأخرى، بل وترتقي بمنظومة الصناعة الوطنية بأكملها.
الحجر الرّوسيّ ل工业化 في مصر
تُعد شركة جوشي المصرية لألياف الزجاج المحدودة «الورقة الرابحة» بحق في قطاع مواد البناء الجديدة بمنطقة تيدا التعاونية.
منذ تأسيسها عام 2012، أنجزت شركة جوشي مصر في منطقة التعاون بين الصين ومصر أربعة خطوط إنتاج للألياف الزجاجية بالإضافة إلى بناء المرافق المساندة، بإجمالي استثمارات يناهز مليار دولار أمريكي، ما يجعل هذا المشروع الأكبر من حيث حجم الاستثمارات الصينية في قطاع التصنيع بمصر حتى اليوم. وبحلول نهاية عام 2022، تم الانتهاء من إنشاء وتشغيل الخط الرابع لإنتاج الألياف الزجاجية بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ألف طن سنويًا، لترتفع بذلك الطاقة الإنتاجية السنوية لقاعدة جوشي مصر للألياف الزجاجية إلى 340 ألف طن، لتصبح أكبر منشأة لإنتاج الألياف الزجاجية في القارة الأفريقية. وبفضل وجود جوشي في مصر، ارتقت البلاد إلى المرتبة الرابعة عالميًا في إنتاج الألياف الزجاجية.
تتجاوز أهمية مصنع جيوشي في مصر حدود لقب «الأكبر في أفريقيا»؛ إذ يُعدّ أول منشأة صينية كبرى لإنتاج الألياف الزجاجية تم بناؤها بشكل مستقل خارج البلاد، وقد سدّ فجوة تقنية في قطاع الألياف الزجاجية بأفريقيا. ويُصدَّر أكثر من 95% من الألياف الزجاجية المنتجة عبر قناة السويس إلى أوروبا وأمريكا وغيرها، ما يوفّر لمصر سنويًا نحو مئة مليون دولار من عائدات النقد الأجنبي، ويسهم في توليد إيرادات نقدية أجنبية تزيد على مليار دولار على المدى الطويل. وعلى الصعيد الدولي، يُستخدم أحد كل ثلاثة شفرات لتوربينات الرياح حول العالم ألياف جيوشي الزجاجية؛ وهذا يعني أن منتجات جيوشي في مصر لا تشكّل فقط واجهة تصديرية للمصريين، بل باتت مندمجة بعمق في سلسلة قيمة الطاقة الجديدة العالمية.
قال وليد جمال الدين، رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس في مصر: «تواصل شركة جيتو إيجيبت توسيع استثماراتها في مصر، مما يخلق العديد من فرص العمل ويدعم عملية التحول والارتقاء بالقطاع الصناعي المصري. كما أن منتجاتها لا تلبّي فقط الطلب المحلي في مصر، بل تُصدَّر أيضاً إلى أسواق أوروبا وأمريكا، ما يسهم في تحقيق عائدات صعبة المنال بالعملة الأجنبية لمصر».
من الطاقة الكهروضوئية إلى الاستخدامات اليومية في «هجوم ثنائي»
تُضفي ألواح الألياف الزجاجية الضخمة على الصناعة المصرية «ارتفاعًا جديدًا»، فيما تواصل شركات الزجاج توسيع نطاق قطاع مواد البناء في مصر.
يُعد مشروع الزجاج للطاقة الجديدة التابع لشركة الصين للزجاج القابضة أول مصنع لإنتاج الزجاج تُنشئه شركة صينية في مصر. يقع المشروع في المنطقة الموسعة لمنطقة تيدا التعاونية، بإجمالي استثمارات قدرها 2.23 مليار يوان صيني، وعلى مساحة تبلغ 500 ألف متر مربع. وسيتم إنشاء خط إنتاج للزجاج العائم بطاقة إنتاجية تبلغ 1000 طن يوميًا، وخط إنتاج للزجاج الفوتوضوئي شديد الشفافية المدلفن بطاقة إنتاجية تبلغ 800 طن يوميًا. وبعد اكتمال الإنشاء وبدء التشغيل، من المتوقع أن يُصدَّر أكثر من 70% من المنتجات إلى شمال أفريقيا والاتحاد الأوروبي وغيرها من المناطق، مع تحقيق مبيعات سنوية تتجاوز 1.8 مليار يوان صيني، كما سيسهم في توفير نحو ألف فرصة عمل محلية.
من جهتها، تدخل شركة ديلي للزجاج السوق المصرية من منظور آخر. وبصفتها الرائدة في قطاع الأواني الزجاجية اليومية على الصعيد الوطني، تعتزم شركة ديلي المساهمة استثمار نحو 50 مليون دولار أمريكي في منطقة تيدا الاقتصادية المشتركة، لإنشاء مركز إنتاج يبلغ طاقته الإنتاجية نحو 350 طنًا سنويًا من الأواني الزجاجية اليومية، مستفيدةً بشكل كامل من مزايا مصر في مجال الطاقة والعمالة والموقع الجغرافي، بهدف توسيع نطاق أعمالها في الأسواق الخارجية. وتُعدّ مصر والدول المجاورة وجهات تصدير مهمة للأواني الزجاجية اليومية الصينية، ومن شأن إنتاج ديلي المحلي أن يسهم في خفض تكاليف اللوجستيات وتعزيز كفاءة الاستجابة للسوق.
إن استقدام شركتين لصناعة الزجاج لا يسد فحسب العديد من الفجوات في قطاع تصنيع الزجاج عالي المستوى في مصر، بل يُتوقع أيضاً أن يحوّل مصر تدريجياً من دولة مستوردة للمنتجات الزجاجية إلى قاعدة إقليمية للتصدير.
من «الطلب على الفولاذ» إلى «الدعامة الصلبة» لـ«الستائر الزجاجية»
تواجه صناعة البناء في مصر منذ فترة طويلة مشكلة عويصة: تعتمد بشكل كبير على الواردات في مجال الهياكل الفولاذية الكبيرة والواجهات الزجاجية الراقية. وقد قدّمت شركتان تابعتان لمجموعة الصين للإنشاءات حلاً لهذه المشكلة.
تبلغ مساحة مصنع الصين للإنشاءات الفولاذية في مصر 27 ألف متر مربع، وبطاقة إنتاجية مخططة تبلغ 25 ألف طن سنوياً. وقد تم فيه استقدام معدات تصنيع ذكية مطوّرة ذاتياً من قبل الشركة، ليُعدّ أول قاعدة متقدمة لتصنيع وتجهيز الهياكل الفولاذية الذكية في مصر بل وفي شمال أفريقيا بأسره. وقد حصل المصنع حالياً على شهادة المطابقة للمعايير الأوروبية، وتُصدَّر منتجاته إلى دول أفريقية أخرى ومنطقة الشرق الأوسط، كما يستهدف السوق الأوروبي. وبصفته ثالث قاعدة تصنيع للشركة خارج الصين، سيعمل مصنع مصر على تأهيل كادر كبير من العمال المحليين المهرة، ويسهم في تعزيز تنمية البنية التحتية الداعمة لموارد الهياكل الفولاذية في مصر من خلال بناء سلسلة صناعية متكاملة، بما يرفع من مستوى التصنيع في البلاد.
يقع مصنع تصنيع الواجهات الزجاجية التابع لشركة الصين للإنشاءات الدولية للواجهات (مصر) أيضًا في منطقة تيدا التعاونية، ويغطي مساحة قدرها 27 ألف متر مربع، ويضم أربع خطوط إنتاج، بطاقة إنتاجية سنوية قصوى تبلغ 150 ألف متر مربع. يركّز المصنع على البحث والتطوير والتصميم والتصنيع والبيع والتركيب للواجهات الزجاجية، وأبواب ونوافذ الألمنيوم، وكذلك المنتجات ذات الصلة بالديكور الداخلي والخارجي، مما يوفّر ضمانًا حيويًا للمواد اللازمة لمشاريع رئيسية وضخمة لشركة الصين للإنشاءات الدولية في مصر، مثل مدينة العلمين الجديدة.
إن إقامة هاتين المؤسستين مكّنت مصر من طيّ صفحة اعتمادها الكامل على الواردات في مجال الهياكل الفولاذية الكبيرة. واليوم، لم تعد المباني الشهيرة المحلية تقتصر على استخدام المكوّنات الفولاذية ومنتجات الواجهات الزجاجية المصنوعة محليًا فحسب، بل باتت مواد البناء عالية الجودة التي تُنتج في منطقة التعاون بين تيدا تغطي أيضًا كامل المنطقة المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر.
سلسلة صناعية واحدة تُسهم على جميع الأصعدة
تتسم مساهمة صناعة مواد البناء الجديدة في الاقتصاد والمجتمع المصري ببعدٍ متعدد الأبعاد.
الاستبدال الواسع النطاق للواردات. فقد سدّت شركة جوشي المصرية الفجوة في تكنولوجيا الألياف الزجاجية في أفريقيا؛ كما أنهت شركتا تشونغبو وديلي تاريخ اعتماد مصر على استيراد الزجاج عالي الجودة؛ فيما مكّنت مصانع الهيكل الصلب والواجهات الزجاجية التابعة لشركة الصين للإنشاءات من تحقيق التصنيع المحلي للهياكل الفولاذية الكبيرة والواجهات الزجاجية الراقية. وخلف عملية الاستبدال هذه، يبرز تخفيفٌ ملحوظٌ لضغوط احتياطي النقد الأجنبي في مصر، إلى جانب انخفاضٍ جوهريٍ في تكاليف البناء.
إحداث طفرة في الترقية الشاملة لقطاع البناء. فمنتجات مواد البناء الحديثة لا تلبّي فقط احتياجات السوق المحلية في مصر، بل تُصدَّر أيضاً عبر شبكة اتفاقيات التجارة الحرة بين مصر والدول الأوروبية والأمريكية والأفريقية والعربية، بما يسهم في تحقيق موارد صعبة بالعملة الصعبة. إذ تُنقل أكثر من 95% من منتجات شركة جوشي المصرية إلى الخارج عبر قناة السويس، فيما يُوجَّه ما يزيد على 70% من منتجات شركة تشونغبو نحو أسواق شمال أفريقيا والاتحاد الأوروبي. وخلف هذه الصادرات الواسعة النطاق، يتعاظم تنافسية قطاع الصناعات الإنشائية المصري على الصعيد العالمي بشكل متزامن.
التوظيف وتأثير التحفيز على سلاسل القيمة الصناعية. يوفّر مشروع جيوشي في مصر مباشرةً أكثر من 2000 فرصة عمل، مما يسهم بفعالية في دفع نموّ سلاسل القيمة الصناعية المترابطة في مجالات التعدين ومواد التغليف وغيرها. كما يساهم مشروع داينو للزجاج الجديد في توليد نحو 700 فرصة عمل، فيما يوفّر مشروع ديلي للزجاج نحو 500 فرصة عمل. إضافةً إلى ذلك، يواصل برنامج تدريب العمالة المحلية التابع لشركة الصين للإنشاءات الفولاذية تزويد قطاع الإنشاءات الفولاذية في مصر بالكوادر المهنية المتخصصة.
إذا ما قارنا المنظومة الصناعية في مصر بهرم، فإن صناعة مواد البناء الحديثة في منطقة تيدا للتعاون تُعد بلا شك أحد أركانه الأساسية والمتينة. فمن الألياف إلى الزجاج، ومن الهياكل الفولاذية إلى الواجهات الزجاجية، لا تجلب الشركات الصينية مجرد خطوط إنتاج وطاقات إنتاجية فحسب، بل تقدّم أيضاً ما تفتقر إليه الدول النامية أكثر من أي وقت مضى في مسارها نحو التصنيع: نقل التكنولوجيا، وتحديث الصناعات، والقدرة على الاندماج في سلاسل التوريد العالمية. وفي هذه البقعة التي تُشبه «الينابيع الحارة» على ساحل البحر الأحمر، يتسارع ظهور خريطة جديدة لصناعة مواد البناء المصرية، تزداد اكتمالاً وتشبعاً يوماً بعد يوم.
—النهاية—
أخبار ذات صلة