أكثر من 200 شركة/8 قطاعات صناعية رئيسية/محور واحد – كيف يعيد التعاون الصيني–المصري تشكيل خارطة الصناعة المصرية؟
2026-06-06 15:52
وقت الإصدار:
في عام 2026، يحتفل التحالف الدبلوماسي بين الصين ومصر بالذكرى السبعين المجيدة لإقامة العلاقات الدبلوماسية.
إن علاقات الستين عامًا المفعمة بالود لا تُعدّ مجرد محطة بارزة في العلاقات الدبلوماسية، بل هي أيضًا شهادة على عمق الثقة المتبادلة وتوثيق التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين. وعلى ضفاف البحر الأحمر، عند نبع السخنة، تشهد مدينة صناعية حديثة، أُنشئت بجهد مشترك بين مجموعة تيدا للاستثمار التابعة لتيانجين الصينية وصندوق التنمية الصيني–الأفريقي، وهي منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية–المصرية في السويس (منطقة تيدا للتعاون)، على نمو مزدهر، لتسطر بذلك فصلاً مشرقًا من التعاون الصيني–المصري في مجال تنمية القدرات الإنتاجية.
صعود المدن الصناعية الجديدة
عند وصول أول دفعة من الموظفين الصينيين المقيمين إلى ينابيع سوخناي في عام 2008، كانت المشاهد التي رأوها لا تُنسى: صحراء قاحلة شاسعة، رمال متطايرة وحجارة تتطاير، مع ندرة شبه تامة للبنية التحتية اللائقة. وفي ظل حرارة الأرض التي تقترب في فصل الصيف من 50 درجة مئوية، واصل البُناة، وبسرعةٍ صينية، التغلب على الصعوبات وبناء صفوفٍ من الورش والمصانع الحديثة وسط تلك الصحراء القاحلة.
بعد نحو عشرين عامًا من الجهود المتواصلة، تحوّلت هذه البقعة التي كانت يومًا ما مهجورة وغير مُعَدّة إلى مجمّع صناعي يُعدّ الأفضل بيئيًا في مصر، والأكثر كثافةً استثماريةً، والأعلى إنتاجيةً وحدةً، وأكبر تجمع للشركات الصينية؛ وقد لُقِّب بمشروع رمزي لبناء مبادرة «الحزام والطريق».
حتى نهاية عام 2025، استقطبت منطقة تيدا للتعاون أكثر من 200 شركة، وتجاوز حجم الاستثمارات الفعلية المُجتذبة 3.8 مليار دولار أمريكي، فيما تجاوز إجمالي قيمة المبيعات 6.6 مليار دولار أمريكي. ومنطقة البداية التي امتدت على مساحة 1.34 كيلومتر مربع، إلى المنطقة الموسعة البالغة 6 كيلومترات مربعة التي تم تدشينها في عام 2016، ثم إلى المنطقة الممتدة الجديدة البالغة 2.86 كيلومتر مربع التي تم توقيع اتفاقية بشأنها في عام 2025، بلغ إجمالي المساحة المطورة للمجمع أكثر من 10 كيلومترات مربعة، مشكّلاً بذلك حزاماً صناعياً يشهد نمواً متواصلاً.
نُظم بيئية تعاونية متسلسلة ومترابطة
تُعدّ من أبرز السمات المميزة لمنطقة تيدا التعاونية هي منظومتها الصناعية المتخصصة القائمة على نموذج «1+8». يعكس هذا الهيكل، من جهة، تأثير التكتّل الأفقي عبر تجمعات صناعية متكاملة، ومن جهة أخرى، يبرز منطق التنسيق والتكامل العمودي عبر سلاسل إنتاجية متصلة.
«1» يُشير إلى التخزين اللوجستي الجمركي. تضم المنطقة مستودعات جمركية عامة تابعة لشركة تايده–رويال وعدد من الشركات الأخرى، كما تبلغ مساحة المستودعات والمستودعات الخارجية التي أنشأتها بنفسها أو تتولى إدارتها 145 ألف متر مربع، مما أسهم في تعزيز كفاءة إجراءات تخليص البضائع بشكل كبير. وبحلول عام 2025، ساهمت منطقة تايده التعاونية في دفع صادرات الصين إلى 690 مليون دولار أمريكي، وقد برز دورها البارز في استقرار سلاسل الإمداد وتوسيعها، حتى باتت محورًا رئيسيًا لتصدير السلع الوسيطة الصينية إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
أما الرقم «8» فيشير إلى ثمانية قطاعات تصنيع رئيسية: مواد البناء الجديدة، معدات النفط، معدات الجهد العالي والمنخفض، التصنيع الميكانيكي، النسيج، الصناعات الكيميائية، الطاقة الجديدة، والأجهزة المنزلية البيضاء. ويقود كل قطاع من هذه القطاعات شركة رائدة، فيما تتكامل هذه القطاعات وتتآزر لتشكّل تجمعات صناعية حديثة تتمتع بقدرة تنافسية إقليمية.
تُمثّل مشاريع الألياف الزجاجية في مصر، التي تستخدم الحجر الكبير، نموذجًا بارزًا لصناعة مواد البناء الجديدة؛ إذ دفعت هذه المشاريع مصر دفعة واحدة إلى المرتبة الرابعة عالميًا في إنتاج الألياف الزجاجية. وفي مجال معدات النفط، يبرز مشروع «تشونغ آي هونغ هوا» للمعدات النفطية كمثال، حيث سدّ هذا المشروع فجوة تصنيع معدات قطاع النفط والغاز في مصر. كما تعد شركة «سيديان إيغيماك» لتصنيع المعدات الكهربائية عالية الجهد أول منشأة تصنيع لمعدات نقل وتوزيع الكهرباء عالية الجهد في مصر، ما أحدث تحولًا جذريًا في تاريخ البلاد الذي كان يعتمد بنسبة 100% على الواردات في تجهيزات شبكات الكهرباء. وتشمل صناعة الماكينات قطاعات فرعية متعددة مثل كابلات الاتصالات الضوئية، والبطاريات، ومعدات غزل النسيج، وقطع غيار السيارات، مما ساهم في سدّ فجوات تصنيعية عديدة في مصر. أما قطاع النسيج فهو القطاع الذي يضم أكبر عدد من الشركات في المنطقة التعاونية، ويغطي سلسلة قيمة كاملة تمتد من الغزل والصباغة إلى الأقمشة غير المنسوجة، مرورًا بالملابس والأمتعة، وصولًا إلى الألياف الصناعية. كما أن مشاريع الكيماويات والطاقة الجديدة لم تكتفِ بسدّ الفجوات في عدة مجالات في مصر، بل جاءت متماشية مع أهداف مصر الطموحة لعام 2030. وفي قطاع الأجهزة المنزلية البيضاء، تبرز شركات مثل «ميديا كوش ريه» و«وانخه إلكتريك». وقد دشّنت وحدة «ميديا كوش ريه» أول خط إنتاج ذكي لغسالات الأطباق في مصر.
«مشروع صناعي استراتيجي وطني»
جدير بالذكر بشكل خاص أن منطقة تيدا للتعاون قد تحوّلت منذ زمن بعيد إلى نموذج للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر، كما باتت من الأولويات الاستراتيجية على المستوى الوطني في مصر.
أزاح رئيسا الدولتين الصينية والمصرية الستار عن منطقة التعاون، كما قام رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بزيارة تفقدية شخصية إلى منطقة تيدا للتعاون، بلغت ثماني مرات، وحضر مراسم بدء تشغيل مشروعات رمزية وإزاحة الستار عنها. وفي عام 2025 وحده، شهدت المنطقة توقيع وتشغيل عدد من المشروعات الصينية في مجالات الطاقة الجديدة والمنسوجات والأجهزة المنزلية وغيرها، بإجمالي استثمارات تجاوز 1.9 مليار دولار أمريكي. وقد صنّفت الحكومة المصرية شركة «جيوشي مصر» بشكل واضح ضمن «المشروعات الصناعية الاستراتيجية الوطنية».
تُعدّ منطقة تيدا التعاونية أيضًا واحدة من أبرز التجمعات الصناعية المحورية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وقد أشار وليد جمال الدين، رئيس الهيئة العامة لإدارة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى أنه في إطار منطقة تيدا التعاونية، استقطبت المنطقة الاقتصادية خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية استثمارات تناهز 11.6 مليار دولار أمريكي، يشكّل الاستثمار الصيني منها نحو 50%. كما أكد السفير الصيني لدى مصر، لياو ليتشيانغ، مرارًا وتكرارًا على ضرورة اغتنام الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر كفرصة لدفع التعاون العميق بين البلدين في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
يمكن القول إن منطقة التعاون في تيدا باتت حلقةً حاسمةً لا غنى عنها في خارطة الاستراتيجية الاقتصادية لمصر.
تعريف شامل لـ«المساهمة الكبيرة»
تتجاوز قيمة منطقة تيدا للتعاون بكثير جذب الشركات وتحقيق الناتج المحلي؛ إذ يتجلى إسهامها في الاقتصاد والمجتمع المصري في عدة أبعاد، منها توفير فرص العمل، وتحصيل الضرائب، وترقية الصناعات، ونقل التكنولوجيا.
تُسهم المنطقة الاقتصادية بالتعاون مباشرة في خلق أكثر من عشرة آلاف فرصة عمل في مصر، كما تُسهم بشكل غير مباشر في توفير عشرات الآلاف من فرص العمل، فيما تتجاوز نسبة التوظيف المحلي 90%. وتنتشر أعداد الموظفين المصريين في جميع المستويات، بدءًا من المناصب الإدارية المتوسطة والعليا وصولًا إلى العمال الفنيين في الخطوط الأمامية. ولا سيما المشاريع الرائدة التي تمثل قوة إنتاجية متقدمة، فقد أسهمت بفعالية في تعزيز التوظيف المحلي وتنمية الكفاءات التقنية.
حتى نهاية عام 2025، بلغ إجمالي الضرائب والرسوم التي سدّدتها منطقة تيدا للتعاون إلى مصر نحو 310 ملايين دولار أمريكي. ولا تقتصر فوائد هذه الإيرادات على تعزيز المالية المحلية في البلد المضيف فحسب، بل تمدّ أيضاً عملية التصنيع في مصر بزخم مستدام.
انطلاقًا من الصفر، استطاعت الشركات العاملة في المنطقة الاقتصادية أن تسدّ فجوات صناعية متتالية في مصر، شملت الألياف الزجاجية، والمعدات الكهربائية عالية الجهد، وكابلات الألياف الضوئية، والحديد الزهر المرن، ووحدات الطاقة الشمسية، وأجهزة تخزين الطاقة، وغيرها. وقد ساهمت شركة جيوشي مصر في جعل مصر رابع أكبر منتج للألياف الزجاجية على مستوى العالم؛ كما مكّنت شركة سيديان إيجماك من تحقيق قفزة تاريخية في مجال معدات نقل وتوزيع التيار الكهربائي عالية الجهد، إذ انتقلت من الاعتماد الكامل على الواردات إلى التصنيع المحلي بنسبة 100%. كما أسهم الدعم المستمر في تبادل الخبرات التقنية والإدارية في إعداد أول دفعة من الكفاءات الفنية المتخصصة في مجالات الكهرباء عالية الجهد، وصناعة كابلات الألياف الضوئية، وإنتاج الطاقة الشمسية.
تُصدّر منتجات الشركات العاملة في المجمع، إلى جانب تلبية احتياجات السوق المحلية، عبر شبكة اتفاقيات التجارة الحرة المصرية إلى أوروبا وأمريكا وإفريقيا والدول العربية، مما يسهم في تحقيق مساهمة كبيرة في حصيلة الصادرات المصرية. وقد بلغت نسبة تصدير منتجات خط إنتاج غسالات الأطباق الذكية التابع لشركة ميديا في مصر وحدها 80% من إجمالي الإنتاج.
من أقل من عشر شركات في البداية إلى تجمع يضم أكثر من مئتي شركة، ومن منطقة نشاط أولية تبلغ مساحتها 1.34 كيلومتر مربع إلى مدينة صناعية جديدة تتجاوز مساحتها عشرة كيلومترات مربعة، إن مسيرة تطوّر منطقة تيدا للتعاون تشكّل تجسيدًا حيويًا لاستمرار تعميق العلاقات الصينية–الإماراتية، وللثقة المتبادلة العالية والتعاون الوثيق بين حكومتي البلدين.
—النهاية—
الصفحة السابقة
الصفحة السابقة
أخبار ذات صلة
2026-05-14