من صحراء قاحلة إلى تجمعات صناعية — التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر يُنشئ «نموذجًا نموذجيًا» عالي الجودة
2026-09-16 09:10
وقت الإصدار:
المصدر: صحيفة الشعب اليومية (العدد الثالث، 3 سبتمبر 2026)
المراسلون: لي شياو، تشو ران، داي كاييران
بمناسبة الزيارة الرسمية التي يقوم بها الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى مصر، سلّطت صحيفة الشعب اليومية الضوء على منطقة تيدا للتعاون الاقتصادي والتجاري، ونشرت تقريراً بعنوان «من صحراء قاحلة إلى تجمع صناعي — شراكة اقتصادية وتجارية صينية–مصرية تُنشئ نموذجاً رفيع المستوى»، أشارت فيه إلى أن منطقة تيدا قد أصبحت نموذجاً رفيع المستوى للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر، إذ أسهمت في توسيع سلاسل الصناعة المصرية وتنمية الكفاءات البشرية. وفيما يلي النص الكامل: 
في مدينة السخنة الواقعة على ساحل البحر الأحمر بمصر، وضمن منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية–الإماراتية–السعودية في السويس، تنتصب ورش ومصانع شاهقة وواسعة متجاورة بعضها ببعض، فيما تزدان صفوف أشجار النخيل بالخضرة الزاهية.
قالت نهلة عماد، الرئيس التنفيذي لشركة تطوير منطقة تيدات في مصر: «من الصعب تخيّل أن هذا المكان كان قبل أكثر من عقد ونصف مجرد صحراء قاحلة». وأضافت أنه بفضل القيادة الاستراتيجية لرئيسَي الدولتين المصرية والصينية ودعم حكومتيهما، تحولت المنطقة التعاونية إلى منصة مهمة للتعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين.
«أصبحت منطقة التعاون أكثر حيوية»
أكثر من مئتي شركة مقيمة، واستثمارات تتجاوز 4.7 مليار دولار أمريكي، ومبيعات تفوق 7.3 مليار دولار أمريكي… تُبرز مجموعة من البيانات المعروضة في مبنى مركز خدمات الاستثمار بمنطقة التعاون الإنجازات التنموية التي حققها المجمع على مدى سنوات طويلة.
في منتصف تسعينيات القرن العشرين، أبدت الحكومة المصرية إدراكًا لسرعة نمو المناطق الاقتصادية في الصين، فطلبت مساعدة الجانب الصيني في إنشاء مناطق اقتصادية في مصر. وفي عام 1998، قرر مجلس الدولة أن تتولى منطقة تيانجين للتنمية الاقتصادية والتكنولوجية تنفيذ هذا المشروع. وابتداءً من عام 2008، تولّت شركة «سينو-تياندا للاستثمار المحدودة»، التي أُنشئت بالتعاون بين شركة تيانجين تايده للاستثمار القابضة وصندوق التنمية الصيني–الأفريقي، قيادة عملية بناء المنطقة التعاونية.
في يناير 2016، وخلال زيارة الرئيس شي جينبينغ إلى مصر، شارك مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في تدشين المرحلة الثانية من منطقة التعاون، لتُطلق هذه البقعة الصناعية الحيوية عجلة التنمية بخطى متسارعة.
«بعد مرور أكثر من عشر سنوات، باتت منطقة التعاون أكثر حيويةً. فبعد أن كانت تضم في البداية شركتين أو ثلاثًا، أصبحت اليوم تشهد تجمعًا صناعيًا؛ إن تطوّر هذه المنطقة يبعث في نفسي فخرًا عميقًا»، يقول عماد. وأضاف أن مفهوم التنمية وممارسات التطوير في المجمعات الصناعية لدى الجانب الصيني قد قدّما لجمهورية مصر العربية مرجعًا قيّمًا لدفع عملية التصنيع، «وهذا يُعدّ تجسيدًا حيويًا لتعميق العلاقات المصرية–الصينية المستمر، وللثقة العالية المتبادلة والتعاون الوثيق بين حكومتي البلدين».
«تتجلى باستمرار آثار التكتل الصناعي في المجمع، الذي بات يشكّل منصةً هامة للتعاون الصناعي في مصر»، كما أوضحت تساو هوي، المديرة التنفيذية لشركة تطوير منطقة تيدا المصرية. وفي الوقت الراهن، شهد المجمع تشكّل منظومة صناعية «1+8» تتمحور حول اللوجستيات الجمركية وتشمل مجالات مثل مواد البناء الحديثة، ومعدات النفط، ومعدات الضغط العالي والمنخفض، والتصنيع الميكانيكي، والنسيج، والصناعات الكيميائية، والطاقة الجديدة، والأجهزة المنزلية البيضاء، وغيرها.
«في عام 2024، استقبلنا أكثر من ثلاثمائة وفد تجاري للتفقد؛ وفي عام 2025 ارتفع هذا العدد إلى ما يزيد على خمسمائة. ومنذ بداية العام الجاري، لا تنقطع المكالمات والرسائل التي تتضمن استفسارات ومواعيد لزيارات تفقدية وتبادل نوايا التعاون»، قالت وينا، المديرة الإدارية لشركة تطوير منطقة تيدا في مصر. وأضافت: «من الشركات المحلية إلى الشركات متعددة الجنسيات، باتت المنطقة الاقتصادية للتعاون تحظى باهتمام متزايد وواسع النطاق».
تواصل منطقة التعاون توسيع نطاق التنمية، وتحسين توزيع الصناعات، وتعزيز قدراتها الخدمية. وأوضحت تساو هوي أن مساحة 2.86 كيلومتر مربع في المنطقة الممتدة قد دخلت مرحلة التطوير، حيث ستركّز المنشأة على توطين صناعات الطاقة الجديدة، والمواد الجديدة، والمركبات وقطع الغيار، والكيمياء الدقيقة، إلى جانب دفع عملية التحول الرقمي والتنمية المنخفضة الكربون، بما يوفّر خدمات داعمة أكثر اكتمالاً لنمو الشركات.
«سأنقل هذه المهارة إلى الأجيال القادمة»
في ورشة الإنتاج ذات درجة الحرارة والرطوبة الثابتتين، تنساب خيوط الألياف الزجاجية البيضاء بسرعة عالية بين آلات اللف وتُلف بدقة، بينما يتكفل العمال المحليون، بمساعدة الأذرع الآلية، بعمليات تغليف المنتجات ونقلها. وفي غرفة التحكم المركزية، يكفي أن ينقر الموظف على الفأرة ليظهر أمامه بوضوح كل مراحل الإنتاج، من اشتعال الفرن إلى إدخال المواد الخام، كما تُعرض صورٌ حيّة لداخل الفرن بشكل واضح على الشاشة… وبفضل تقنيات الأتمتة والذكاء الاصطناعي، تفوق كفاءة الإنتاج لكل عامل في مصنع شركة جوشي المصرية للألياف الزجاجية المساهمة المحدودة (ويُشار إليها فيما يلي باسم «جوشي مصر») متوسط القطاع.
تُعدّ شركة جوشي المصرية من أوائل الشركات التي استقرت في المنطقة الاقتصادية، إذ أدخلت إلى مصر مجموعةً متكاملةً من تقنيات إنتاج الألياف الزجاجية ذات الملكية الفكرية الخاصة بها، مما مكّن مصر—التي لم تكن يومًا من دول منتجة للألياف الزجاجية—من أن تصبح رابع أكبر منتج للألياف الزجاجية في العالم. كما ساهمت الشركة في دفع عجلة تطوير القطاعات المحلية المساندة والمترتبة عليها، مثل قطاع المواد الخام المعدنية وقطاع مواد التغليف؛ وفي الوقت الراهن، يُشترى 95% من المواد الخام التي تحتاجها الشركة داخل مصر.
قال أحمد سليمان، نائب مدير عام شركة جوشي مصر: «تتجاوز نسبة توطين الموظفين لدينا 98%، فيما تبلغ نسبة توطين المديرين المتوسطين 76%، ما يجعلنا من بين الشركات الصينية في مصر التي تسجل أعلى معدلات توطين الموظفين». وأضاف سليمان، الذي انضم إلى جوشي مصر عام 2012، أنه بدأ كفني عادي في ورشة لفّ الخيوط، ثم تدرّج عبر مراحل متعددة في صقل مهاراته التقنية ليصبح أحد الكوادر الأساسية في الورشة. وتابع: «أشكر الشركات الصينية على دورها في تدريبي، كما أشكر زملائي الصينيين الذين قدموا لي معارفهم دون أي تحفظ».
تبلغ نسبة الموظفين المصريين في شركة «سيديان–إيغيماك» للتجهيزات الكهربائية عالية الجهد، وهي شركة مشتركة بين مجموعة الصين للكهرباء الغربية والجانب المصري، أكثر من 97%؛ وقد ساهمت على مدى سنوات طويلة في تزويد المجتمع المصري بالعديد من الكفاءات في مجال الهندسة الكهربائية، وكان مصطفى محمد واحدًا منهم. في عام 2020، التحق محمد بوظيفة عامل فني عادي في ورشة تجميع المحولات، وكان حينها لا يجيد حتى قراءة مخططات التجميع بوضوح. يقول: «كان المعلم الصيني يرسم لي رسومًا توضيحية بيده، ويشرح لي كل خطوة من خطوات التجميع واحدة تلو الأخرى». وأضاف أنه خلال تلك الفترة كان يقضي نهاره في الورشة يتدرب عمليًا، ويُمضي ليله في المنزل يدرس كتبًا تقنية. وبعد أربع إلى خمس سنوات، تحوّل محمد إلى أحد الكوادر الفنية الأساسية في الورشة، كما تولّى بنفسه قيادة فريق أنجز أعمال التركيب والتشغيل الميداني لمشروع محطة تحويل كهربائية ضخمة نفّذته الشركة. ويقول محمد: «في اللحظة التي نجحت فيها عملية إدخال التجهيزات حيز التشغيل، كان المعلم الصيني أكثر حماسًا مني؛ فقد أصبح التلميذ أخيرًا قادرًا على العمل بمفرده».
اليوم، بات محمد مشرفًا على ورشة تصنيع المحولات الكهربائية، يدير أكثر من عشرة عمال محليين، كما تولّى تدريب اثنين من المتدربين. يقول: «أريد أن أورث هذه المهنة لمن يأتي بعدي، كي يتمكّن المزيد من الشباب المصريين من تغيير مصيرهم بأيديهم».
«عزّز القدرة الصناعية لمصر»
«اسمي الصيني شياو هاي، وعندما التحقت بالجامعة كنت أدرس اللغة الصينية بجدية. زملائي الصينيون ليسوا جادين في العمل فحسب، بل يتمتعون أيضاً بودٍّ وطيبةٍ كبيرين. وكل ما يغيب عني من استفسارات، يجيبون عليها بعناية، ولذلك أحرز تقدماً سريعاً!» يقول شياو هاي، الفني المحلي في شركة شينشين لصناعة الأنابيب (مصر) المساهمة؛ إن قصة نموه تنسجم مع المسار السريع لتطور هذه المؤسسة الشابة الواقعة في منطقة التعاون.
يغطي مشروع شركة شينشين لصناعة أنابيب الحديد الزهر في مصر مساحة قدرها 270,500 متر مربع، وتبلغ طاقته الإنتاجية السنوية 250 ألف طن من أنابيب الحديد الزهر المرن. وقد أوضح وانغ جينلونغ، عضو مجلس إدارة شركة شينشين لصناعة أنابيب الحديد الزهر (مصر) المساهمة المحدودة، أن المشروع تم توقيع اتفاقيته في مارس 2024، وأُقيم حجر الأساس له في أبريل من العام نفسه، ليبدأ التشغيل الفعلي في مايو 2025، وذلك خلال فترة لا تتجاوز السنة والنصف فقط منذ التوقيع وحتى بدء الإنتاج. وبعد دخول المشروع حيز التشغيل، سرعان ما فتحت منتجاته أسواقًا جديدة، حيث أقامت الشركة بالفعل شراكات تصديرية متتالية مع شركات في الكويت والعراق وتونس والأردن والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول.
أشارت صحيفة «أخبار مصر اليومية» في تعليقها إلى أن منطقة التعاون، الواقعة عند نقطة الاتصال بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، تُعدّ قاعدة إنتاج مثالية تستهدف أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، مضيفةً: «إن دخول مشروع صناعة المواسير المصبوبة الناشئ في مصر حيز الإنتاج لا يعزز فقط قدرات مصر الصناعية، بل يرسّخ أيضاً موقعها كمركز للتجارة الإقليمية».
أفضت عملية توطين صناعة الألياف الزجاجية إلى امتلاك مصر لأكبر منشأة لإنتاج الألياف الزجاجية في القارة الأفريقية؛ كما شُيّد أول مصنع لمعدات نقل وتوزيع الكهرباء عالية الجهد، مما مكّن من تصنيع المعدات الحيوية محليًا للمرة الأولى؛ كما دخلت أول خط إنتاج ذكي لغسالات الأطباق حيز التشغيل بنجاح، لتدفع الأجهزة المنزلية الذكية «صُنعت في مصر» نحو الأسواق… وفي المنطقة الاقتصادية، ترسخ عددٌ متزايد من الشركات ونمت وتوسعت، فلم تكتفِ بإضفاء حيوية ديناميكية على المنطقة فحسب، بل ساهمت أيضًا في توسيع سلسلة القيمة المحلية في مصر وتعزيز قدراتها التصنيعية بشكل مستمر.
—النهاية—
أخبار ذات صلة
2026-09-16