سبعون عامًا من المدّ والجزر.. معًا نحو المستقبل | على ضفاف البحر الأحمر، ولادة مدينةٍ جديدة
2026-08-06 09:42
وقت الإصدار:
بعد قطع مسافة تزيد على 120 كيلومترًا شرقًا من العاصمة المصرية القاهرة، وعبر صحراء قاحلة شاسعة، تصل إلى مدينة السخنة الواقعة على ساحل البحر الأحمر. وتعني كلمة «السخنة» في اللغة العربية «الينابيع الحارة». واليوم، تزدحم هذه المنطقة بالمصانع، وتنهمر الشاحنات المحملة بالحاويات؛ فهذا هو منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية–المصرية–التايداوية في السويس.
يتذكر أول مجموعة من موظفي تيانجين تايده الذين أُرسلوا للعمل في مصر: «في ذلك الوقت، كانت الصحراء القاحلة شاسعة، تتطاير فيها الرمال والصخور، وكان توفير المياه والكهرباء أمراً بالغ الصعوبة». وفي عام 2009، ستعقد الدورة الوزارية لمنتدى التعاون الصيني–الأفريقي في مصر، وسيتم خلالها افتتاح منطقة تايده للتعاون، مع ضرورة إنجاز بناء العديد من المباني الصناعية والمكاتب وغيرها من المرافق الأساسية ومرافق الدعم خلال عام واحد.
كان ذلك في عام 2008.
أول حفنة تراب في البرية
في عام 2008، تولّت شركة الصين–إفريقيا لتيدا للاستثمار المساهمة، التي أُنشئت بالشراكة بين شركة تيانجين تيدا للاستثمار القابضة وصندوق التنمية الصيني–الأفريقي، تنفيذ مشروع منطقة تيدا التعاونية رسمياً. وفي نوفمبر من العام نفسه، انضم أحمد رضوان إلى منطقة تيدا التعاونية، بدءاً من منصب مدير الشؤون المالية. وقد قال لاحقاً للصحفيين: «عندما وصلت إلى تيدا قبل ست عشرة سنة، كانت المنطقة لا تزال صحراء خالية. وكنت أتصفح خطة تطوير منطقة تيدا التعاونية، فكنت أشعر بأن ذلك ليس سوى حلم بعيد المنال».
كان الوقت ضيقًا جدًا. تعاون فريق إدارة المشروع، المكوّن من موظفين صينيين ومصريين، بشكل وثيق، وظلّوا يقضون يوميًا في موقع البناء شديد الحرارة. ووسط دهشة وانبهار الجميع، ارتفعت صفوف من ورش ومصانع حديثة وشقق سكنية للموظفين كمعجزة، ولا سيما مبنى مركز خدمات الاستثمار الذي بقي، بعد اكتمال بنائه، أحد معالم المدينة البارزة. وفي عام 2009، تمّ رسميًا افتتاح منطقة البدء البالغة مساحتها 1.34 كيلومتر مربع.
بعد ثماني سنوات من الإنشاء، باتت منطقة البداية تمتلك حجماً أولياً. وفي 21 يناير 2016، شارك رئيسا الدولتين الصينية والمصرية في رفع الستار عن المنطقة الموسعة البالغة مساحتها ستة كيلومترات مربعة. وقد خُلِّد هذا الحدث التاريخي في لحظةٍ تجسدت فيها المصافحة الحميمة بين قارتين.

من شجرة واحدة إلى غابة كاملة
من 1.34 إلى 6، ثم إلى 10.2، حقّقت منطقة تيدا التعاونية ثلاث قفزات كبرى خلال ما يزيد على عقد من الزمن.
في 16 يوليو 2025، وبحضور رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، تم رسميًا إطلاق مشروع المنطقة التعاونية لتيانجين في مرحلتها الموسعة غربًا. واستنادًا إلى منطقتي البداية والتوسعة القائمتين، تجاوز إجمالي المساحة المطورة للمنطقة التعاونية عتبة 10 كيلومترات مربعة، لتدخل بذلك مرحلة التنمية «3.0». وقد وصف وليد جمال الدين، رئيس الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة في مصر، هذه الخطوة بأنها «خطوة استراتيجية»، و«دليل واضح على النجاح الكبير الذي حققه التعاون بين الجانبين خلال السنوات الماضية».
تختفي وراء الأرقام تغيّرات ملموسة. وحتى نهاية يوليو 2026، ارتفع عدد الشركات المقيمة في منطقة تيدا للتعاون إلى أكثر من 200 شركة، وقد تشكّلت فيها مجموعات صناعية رائدة تشمل مواد البناء الجديدة، ومعدات النفط، ومعدات الجهد العالي والمنخفض، والتصنيع الميكانيكي، والنسيج، والصناعات الكيميائية، والطاقة الجديدة، والأجهزة المنزلية البيضاء، وغيرها. كما استقرت في المنطقة شركات رائدة صينية وأجنبية في مجالاتها، مثل «تشاينا جيوشي» و«سيديان إنترناشونال» و«ميديا» و«شينغشينغ تشوجوان»، على التوالي.
استقرت شركة جوشي المصرية في منطقة تيدا للتعاون في يناير 2012، مما أتاح لصناعة الألياف الزجاجية في مصر أن تنشأ من الصفر. وتبلغ الطاقة الإنتاجية التصميمية الإجمالية حالياً 360 ألف طن سنوياً، ما يجعلها أكبر منشأة لإنتاج الألياف الزجاجية في القارة الأفريقية، كما جعلت مصر رابع أكبر دولة منتجة للألياف الزجاجية على مستوى العالم. وقد بلغ إجمالي الصادرات التي حققتها الشركة أكثر من 1.9 مليار دولار أمريكي، وأسهمت في خلق نحو 2000 فرصة عمل، فيما يتجاوز نسبة الموظفين المحليين 98%.
في ورشة إنتاج غسالات الأطباق التابعة لشركة ميتي مصر للمطابخ والسخانات، يُركّب الموظفون المصريون غسالات الأطباق بمهارة عالية. وأوضح المدير العام للشركة، تشن ويوي، أنه تم البدء في دراسة الجدوى للمشروع عام 2021، وبدأت الإنتاج الضخم والطرح في السوق في يونيو 2023، كما تم تحقيق هدف حصة الصادرات البالغة 80% بنهاية عام 2024. وقد ساهم هذا الخط الإنتاجي في سد الفجوة التقنية في مجال تصنيع غسالات الأطباق في مصر.
كلما عمّقت الجذور، ارتفع الشجرة أكثر.
يمكن إنشاء المجمع الصناعي في غضون عام واحد، لكن الثقة بين الناس تحتاج إلى رعاية يومية متواصلة.
أسهمت منطقة تيدا للتعاون في خلق ما يقرب من عشرة آلاف فرصة عمل مباشرة في مصر، كما ساهمت بشكل غير مباشر في توفير عشرات الآلاف من فرص العمل، فيما تجاوزت نسبة التوظيف المحلي 90%. وتنتشر أعداد الموظفين المصريين في مختلف المستويات، بدءًا من المناصب الإدارية المتوسطة والعليا وصولًا إلى الوظائف التقنية على الخطوط الأمامية.
أحمد رضوان، الرئيس التنفيذي لشركة تيدا المصرية للاستثمار، تدرّج من مدير مالي في عام 2008 إلى منصب الرئيس التنفيذي. وقد عبّر عن مشاعره قائلاً: «في البداية كنت أعتزم العمل هنا لمدة خمس أو ست سنوات فقط، لكنني بقيت طوال ستة عشر عاماً. لقد حققت هنا طموحي المهني، ولم يكن ذلك ليتحقق لولا دعم فريق تيدا والمساعدة غير المشروطة من زملائي الصينيين».
دينا محمود حسن، من شركة جيوشي مصر، انضمت إلى الشركة عام 2013 فور تخرّجها من الجامعة، لتصبح واحدة من عدد قليل من الموظفات. تقول وهي في الثانية والثلاثين من عمرها: «بدأت كمخططة إنتاج، ثم تدرّجت حتى أصبحت نائبة مدير قسم التخطيط اللوجستي». وتضيف بصدق: «كان التنافس مع الزملاء الرجال أمراً شديد الصعوبة». وبعد أن أصبحت أماً عام 2022، واجهت ضغوطاً كبيرة في محاولة تحقيق توازن بين مسيرتها المهنية وحياتها الأسرية، لكنها تُعرب عن امتنانها: «لحسن الحظ، قدّم لي زملائي دعماً وتفهماً كبيرين». وهي المديرة الوسطى النسائية الوحيدة في شركة جيوشي مصر. وعلى مكتبها، تبرز بوضوح ميداليتان؛ إحداهما تقديرية لأفضل موظف، والأخرى لأفضل مديرة وسطى.
مريم، الموظفة في شركة ميديا مصر، تقطن في محافظة السويس، وقد التحقت بالشركة عام 2022 بعد أن درست اللغة الصينية في جامعة قناة السويس. ومنذ شهدت في مارس 2023 خروج أول غسالة أطباق من خط الإنتاج، وحتى وصلت الطاقة الإنتاجية السنوية لورشة التصنيع اليوم إلى 350 ألف وحدة، تدرّبت لتُصبح مسؤولة قسم ضبط الجودة. وفي عام 2023 سافرت إلى فوشان بمقاطعة غوانغدونغ في الصين، حيث تلقّت تدريباً مكثفاً على مهارات اختبار الآلات وصياغة المعايير وغيرها من المهارات ذات الصلة. وتقول: «لقد جاءت شركة عالمية مرموقة إلى باب منزلي». وفي أوقات فراغها، تُقدّم دروساً لغوية لزملائها الصينيين.
تضم شركة شيديان–إيغيماك للتجهيزات الكهربائية عالية الجهد المحدودة حالياً 260 موظفاً، وتتجاوز نسبة توطين العمالة لديها 97%. وقال المدير العام للشركة، لي جيانفِي، إنه على مدى السنوات الست عشرة الماضية، شاركت الشركة في تنفيذ مشاريع بناء وتشغيل 33 محطة فرعية كهربائية على مستوى مصر، مما أسهم بشكل كبير في تخفيف حدة نقص الطاقة في البلاد. كما قامت الشركة بإرسال موظفيها المصريين إلى المقر الرئيسي لشركة شيديان في مدينة شيآن بالصين، على دفعات، لتلقي تدريب منهجي؛ وقد تولّى العديد منهم مناصب أساسية وأصبحوا من المدراء في المستويات الوسطى والعليا.
إلى جانب نقل الخبرات التقنية، هناك أيضاً الدعم اليومي. تشارك منطقة تيدا التعاونية في معظم فعاليات رمضان الخيرية في مصر كل عام. وإلى جانب المبادرات الجماعية، تُقدِّم تيدا بشكلٍ ذاتي مستلزمات دراسية للأطفال الأيتام في مصر، وتتعاون مع الجهات المحلية المعنية بعلاج أمراض القلب لتنظيم حملات جمع التبرعات لعلاج الأطفال المرضى، كما تزور مؤسسة مستشفى سرطان الأطفال في مصر.
نمضي نحو البحر، ونولد من جديد
في عام 2025، تشهد منطقة تيدا للتعاون عدة مزايا متضافرة. على الصعيد المالي، وقّعت المنطقة مذكرة تعاون ثلاثية مع نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود (CIPS) وبنك قناة السويس المصري، بما يسهم في تعزيز التسوية والمقاصة الآمنة والفعّالة بالرنمينبي داخل المنطقة. وعلى صعيد المساحة، تم إطلاق المرحلة الجديدة من التوسعة الغربية رسمياً. وفي مجال اللوجستيات، تتسارع وتيرة إنشاء أول خط سكة حديد كهربائي عالي السرعة في مصر، وهو خط «عين السخنة–العلمين–مطروح»، الذي يعتمد بشكل كبير على المعدات والتكنولوجيا الصينية.
كما يتسارع تطوير الصناعات. ففي أغسطس 2025، تم توقيع اتفاقية لإقامة مشروع ساي لون المصري بحجم استثمارات إجمالي يبلغ نحو 300 مليون دولار أمريكي؛ وفي 27 أغسطس، جرى توقيع اتفاقية لمشروع مجمع الطاقة الشمسية بحجم استثمارات إجمالي يناهز 220 مليون دولار أمريكي. وفي عام 2026، أُنجز بنجاح مشروع المنطقة الموسعة الثالثة في منطقة تيدا للتعاون. وقال محمد، أحد الكوادر التقنية المحلية: «كان عليّ سابقاً أن أسافر إلى القاهرة بحثاً عن عمل، أما الآن فأجد عملاً مستقراً على مقربة من منزلي، كما تعلمت مهارات مهنية متخصصة وارتفع راتبي الشهري إلى أكثر من الضعف».
يصادف عام 2026 الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر. وقد قام رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بزيارة تفقدية إلى منطقة تيدا للتعاون الاقتصادي والتجاري تسع مرات، وهو معدل نادر للغاية ليس فقط في مصر بل على مستوى مناطق التعاون الاقتصادي والتجاري في الشرق الأوسط وأفريقيا. وتتطور منطقة تيدا للتعاون تدريجياً من مجرد مجمع إنتاجي إلى «منظومة بيئية متكاملة للتنمية الصناعية والمدنية» تجمع بين الإنتاج واللوجستيات والتجارة والتمويل والابتكار والحياة اليومية.
سبعون عامًا تمثّل مسيرةً طويلة في تاريخ الدبلوماسية الوطنية. أما السنوات الثماني عشر التي استغرقتها منطقة تيدا للتعاون، منذ نشأتها وحتى اليوم، فتختصر كامل مسار التعاون الصناعي بين الصين ومصر: من مرحلة التجريب إلى بناء الثقة، ومن العمل الفردي إلى التكامل والتعايش ضمن مجموعات صناعية، ومن «صنع في الصين» إلى «الإبداع المشترك بين الصين ومصر».
قال أحمد رضوان، الرئيس التنفيذي لشركة تيدا المصرية للاستثمار: «لقد قمنا معاً بتحويل هذه المنطقة الصحراوية السابقة إلى مدينة صناعية حديثة».
مع حلول المساء، أضاءت أعمدة الإنارة في الحديقة تباعًا. كان الموظفون الصينيون والمصريون العائدون من العمل يسيرون على مجموعات صغيرة نحو محطة الحافلات؛ منهم من يودّع باللغة العربية، ومنهم من يقول بالصينية: «أراك غدًا».
لعلّ هذا هو أجمل ما يمكن أن تكون عليه مدينةٌ ما؛ فهي تتيح لمختلف الناس أن يجدوا فيها حياةً جميلةً بذات القدر.
—النهاية—
أخبار ذات صلة
2026-09-16